حسن الأمين

260

مستدركات أعيان الشيعة

العصر العباسي ( 25 ) حياة بعض الخلفاء العباسيين . وتوجد جميع هذه المؤلفات والمخلفات لدى أكبر أولاد المترجم السيد عبد الصالح . السيد عبد الرحمن الكواكبي مرت ترجمته في المجلد الثالث ، كما مر حديث عنه في المجلد الرابع ، وننشر هنا دراسة عن الفكرة القومية عنده ، مكتوبة بقلم الدكتور إبراهيم بيضون : يكاد في غيابه ينجز القرن ، وما زال ملتبسا في فكرة ، مثيرا للجدل في أطروحته ، وغامضا كذلك في موته ( 1 ) الذي لم يتعدد كثيرا نصف هذه المسافة 1849 - 1903 ، مما جعل هذا الرجل المتوتر ، المتفتح باكرا على شواغل كبيرة ، والقادم من أسرة محافظة ( 2 ) لها في الثقافة موقع غير قليل ، يتخذ دوره الطليعي بين فئة مستنيرة ، أحدثت جلبة على مفترق القرنين ، وما زالت أفكارها مادة غنية للنقاش وإعادة النظر في التقويم بين الحين والآخر ، كانت ثمة كوكبة من هؤلاء المثقفين المتنورين ، باعدت فيما بينها الجغرافية ، وربما كان للدين تأثير في خلفية الخطاب السياسي الذي بدا توفيقيا عدد بعض وشبه جذري عند آخر ، ولكن العقل في النتيجة كان هو الجامع المشترك ، والقوة الدافعة إلى التمرد ، ومناوأة الثوابت والمفاهيم المغلقة . كان لا بد أن يجدث ذلك ، وربما أكثر منه ، لولا الدور الإسلامي الذي تصدت له دولة بني عثمان لقرون خلت ، وجعل الصلة وثيقة بين الأخيرة وبين العرب الذين فاقت حماستهم لها ، ( 3 ) ما كان من أمرهم مع أية دولة سابقة ، تولت السلطة أو انتزعتها من خلافة العباسيين ، الآخذة في الانحدار منذ زمن بعيد ، دون أن يكون الإسلام الديني مصدر هذه العلاقة الخاصة ، بقدر ما كان للإسلام السياسي تأثيره في استمرارها لحين طويل ، خصوصا في العهد الأول من الإمبراطورية ، حين كان ميزان القوة راجحا لمصلحتها في الصراع مع الغرب الأوروبي . ( 4 ) ولعل هذه المسألة بالذات ، اتخذت حيزها البارز في المعادلة التي تكرست بعد هزيمة المماليك ومقتل قانصو الغروي في مرج دابق 1516 وجعلت العرب يسلمون بالأمر الواقع ، بان تئول الخلافة إلى غيرهم ، ( 5 ) ولا شك أن أمرا كهذا ، كان ما يزال يشكل أزمة سياسية مفتوحة ، منذ البيعة الأولى في السقيفة ، ما كان يتم التساهل فيه ، لولا أن تصدى العثمانيون للدفاع عن الإسلام وأثبتوا جدارتهم في مقاومة أطماع الغرب ومهاجمته في عقر داره ، ( 6 ) ذلك الهاجس الذي ما انفك قائما في الوعي السياسي العربي منذ العمليات الصليبية التي تفتحت معها ، برغم الانكفاء ، براعم المشروع الاستعماري الأوروبي للسيطرة على المشرق العربي . هذا الصراع الحتمي الذي حسمته الأحداث المتتالية في المقولة الشهيرة للشاعر الانكليزي روديادر كيبلنغ : « الشرق شرق والغرب غرب » ، كان الحافز الحار الذي جعل العرب يتركون زمام القيادة الروحية للسلطان ، ( 7 ) ويعترفون ، ربما غير صاغرين به ، خليفة للمسلمين طالما أنه يقوم بواجبة الجهادي ، ويمنع اقتراب الخطر الأوروبي من أقطارهم ، وفوق ذلك ، كان الأتراك العثمانيون قد قلبوا المعادلة فعلا ، منذ سقوط القسطنطينية ( 1543 ) على يد السلطان محمد الثاني ( الفاتح ) ، ذلك السقوط المدوى الذي كرس لهم الزعامة الإسلامية ، وفتح باب الصراع مجددا مع الغرب الأوروبي ، وهو تكريس لم يسبق أن حدث نحو أي من الشعوب غير العربية التي قدر لها تبوء السلطة الفعلية في دولة بني العباس . ومن هذا المنظور ، فان العلاقة بين العرب والدولة العثمانية في عهدها الأول ، كانت تنطلق من هذه الاعتبارات ، وتأخذ مداها من الاعجاب بهذا الدور العثماني ، خصوصا بعد أن وصلت جيوش العثمانيين إلى أبواب فيينا مهددة أوروبا باجتياح وشيك في أيام السلطان سليمان القانوني ، ( 8 ) فلما ذا لا تكون معركة « فيينا » نموذجا يتماهي مع « بواتييه » ؟ إذ هزت كلتاهما الباب الأوروبي بعنف ، سواء من الشرق بالنسبة للأولى ، أو من الغرب بالنسبة للثانية ، . هذا في الجانب السياسي الذي وجد من خلاله العرب ذاتهم ، أو كثيرا منها في انتصارات العثمانيين الأوروبية ، خصوصا وأنها تحققت تحت راية الإسلام . كما وجدوا جزءا من هذه الذات أيضا في الجانب الحضاري ، إذ كان من دوافع الأتراك العثمانيين نشر الإسلام الحضاري والالتزام بواجباته الدينية ورفع شعائره ، ( 9 ) مما يعني أن العربية ، عقيدة ولغة وثقافة ، كانت حاضرة في المجتمع العثماني ، وتحديدا في العاصمة ( إستانبول ) ، حيث أسماء السلاطين بعد أورخان عربية والشعارات كذلك عربية مأخوذة من القرآن أو من الحديث ، والنقود أيضا ، منقوشة عليها عبارات عربية ، والمساجد الكثيرة ممتلئة بالآيات القرآنية وأسماء النبي « وأصحابه » . ( 10 ) وهكذا يشعر العرب بالاطمئنان تحت حكم السلطة العثمانية ، واجدين فيها المنقذ من الأطماع الأوروبية ، ذلك الدور الذي أخفقت في تبوئه على المستوي ذاته الدولة السابقة بعد أن ظلت كيانات مهزوزة منطوية على ثغرات أعاقت وحدتها الشمولية ، فضلا عن الفشل في اتخاذ مبادرات توسعية على غرار هذه السلطة الناشئة كما شعروا ، أو أنهم اعتقدوا على الأقل ، أن الاحتواء الحضاري قد يحقق نوعا من الاحتواء السياسي ، تتراجع في ظله أنواع الهجانة والرطانة ، وغير ذلك مما حوته النماذج السابقة من انحطاط فكري وسياسي . ( 11 ) تلك هي صورة العلاقة بين العرب والدولة العثمانية في عهد القوة ، فقد انخرط هؤلاء بكليتهم في إطارها ولم تشب ولاءهم نحوها أية شائبة ،

--> ( 1 ) قيل إن السلطان عبد الحميد أرسل من وضع السم في فنجان قهوة الكواكبي ، جان داية ، الامام الكواكبي ، فصل الدين عن الدولة ، ص 82 . ( 2 ) جورج أنطونيوس ، يقظة العرب ، ص 169 . ( 3 ) زين زين ، نشوء القومية العربية ، ص 20 . ( 4 ) محمد جميل بيهم ، العرب والأتراك ، ص 80 . ( 5 ) أسد رستم ، آراء وأبحاث ، ص 16 - 19 . ( 6 ) زين زين ، النشوء القومي ، ص 22 - 28 . ( 7 ) رشيد رضا ، « لأن سوادهم الأعظم العرب مسلمون لا يكادون يشعرون بغير الجنسية الدينية » المنار المجلد السابع عشر ، 23 أيار ، 1914 ، ص 534 ، نقلا عن زين ، نشوء ، ص 43 . ( 8 ) منيرو عادل إسماعيل ، الصراع الدولي حول المشرق ، ص 15 . ( 9 ) . 4 ، 2 . GeorgeS youg , Corps De DroiT OHoman . P . ( 10 ) قيل إن السلطان عبد الحميد أرسل من وضع السم في فنجان قهوة الكواكبي ، جان داية ، الامام الكواكبي ، فصل الدين عن الدولة ، ص 82 . ( 11 ) JeaN Raymont , RapporT sur L , origine DeS wahabys voir . Le preface De Edaurd DrianLt PVII